فخر الدين الرازي

219

تفسير الرازي

( ووجدك عديماً ) وقرئ عيلاً كما قرىء سيحات ، ثم في كيفية الإغناء وجوه الأول : أن الله تعالى أغناه بتربية أبي طالب ، ولما اختلت أحوال أبي طالب أغناه ( الله ) بمال خديجة ، ولما اختل ذلك أغناه ( الله ) بمال أبي بكر ، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار ، ثم أمره بالجهاد ، وأغناه بالغنائم ، وإن كان إنما حصل بعد نزول هذه السورة ، لكن لما كان ذلك معلوم الوقوع كان كالواقع ، روي أنه عليه السلام : " دخل على خديجة وهو مغموم ، فقالت له مالك ، فقال : الزمان زمان قحط فإن أنا بذلت المال ينفذ مالك فأستحي منك ، وإن لم أبذل أخاف الله ، فدعت قريشاً وفيهم الصديق ، قال الصديق : فأخرجت دنانير وصبتها حتى بلغت مبلغاً لم يقع بصري على من كان جالساً قدامي لكثرة المال ، ثم قالت : اشهدوا أن هذا المال ماله إن شاء فرقه ، وإن شاء أمسكه " الثاني : أغناه بأصحابه كانوا يعبدون الله سراً حتى قال عمر حين أسلم : أبرز أتعبد اللات جهراً ونعبد الله سراً ! فقال عليه السلام : حتى تكثر الأصحاب ، فقال حسبك الله وأنا فقال تعالى : * ( حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) * ( الأنفال : 64 ) فأغناه الله بمال أبي بكر ، وبهيبة عمر " الثالث : أغناك بالقناعة فصرت بحال يستوي عندك الحجر والذهب ، لا تجد في قلبك سوى ربك ، فربك غني عن الأشياء لا بها ، وأنت بقناعتك استغنيت عن الأشياء ، وإن الغنى الأعلى الغنى عن الشيء لا به ، ومن ذلك أنه عليه السلام خير بين الغنى والفقر ، فاختار الفقر الرابع : كنت عائلاً عن البراهين والحجج ، فأنزل الله عليك القرآن ، وعلمك ما لم تكن تعلم فأغناك . القول الثاني في تفسير العائل : أنت كنت كثير العيال وهم الأمة ، فكفاك . وقيل فأغناهم بك لأنهم فقراء بسبب جهلهم ، وأنت صاحب العلم ، فهداهم على يدك ، وههنا سؤالات . السؤال الأول : ما الحكمة في أنه تعالى اختار له اليتم ؟ قلنا فيه وجوه أحدها : أن يعرف قدر اليتامى فيقوم بحقهم وصلاح أمرهم ، ومن ذلك كان يوسف عليه السلام لا يشبع . فقيل له في ذلك : فقال أخاف أن أشبع فأنسى الجياع وثانيها : ليكون اليتيم مشاركاً له في الاسم فيكرم لأجل ذلك ، ومن ذلك قال عليه السلام : " إذا سميتم الولد محمداً فأكرموه ، ووسعوا له في المجلس " وثالثها : أن من كان له أب أو أم كان اعتماده عليهما ، فسلب عنه الولدان حتى لا يعتمد من أول صباه إلى آخر عمره على أحد سوى الله ، فيصير في طفوليته متشبهاً بإبراهيم عليه السلام في قوله : حسبي من سؤالي ، علمه بحالي ، وكجواب مريم : * ( أنى لك هذا قالت هو من عند الله ) * ( آل عمران : 37 ) . ورابعها : أن العادة جارية بأن اليتيم لا تخفى عيوبه بل تظهر ، وربما زادوا على الموجود فاختار تعالى له اليتيم ، ليتأمل كل أحد في أحواله ، ثم لا يجدوا عليه عيباً فيتفقون على نزاهته ، فإذا اختاره الله للرسالة لم يجدوا عليه مطعناً وخامسها : جعله يتيماً ليعلم كل أحد أن فضيلته من الله ابتداء لأن الذي له أب ، فإن أباه يسعى في تعليمه وتأديبه وسادسها : أن اليتم والفقر نقص في حق